بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين الأشراف وعجل فرجهم ياكريم
السلام عليكم ورحة الله وبركاته
لا تظنن أن كل من يترك مال الدنيا أنه زاهد، فان ترك المال واظهار التضييق والخشونة في المأكل والملبس سهل على من أحب المدح بالزهد. فكم من الرهبان والمرائين تركوا مال الدنيا وروضوا [1] أنفسهم كل يوم على قدر قليل من القوت، واكتفوا من المسكن بأى موضع اتفق لهم، وكان غرضهم من ذلك أن يعرفهم الناس بالزهد ويمدحهم عليه، فهم تركوا المال لنيل الجاه. فالزهد الحقيقي ترك المال والجاه، بل جميع حظوظ النفس من الدنيا. وعلامة ذلك استواء الغنى والفقر والذم والمدح والذل والعز لأجل غلبة الأنس بالله، إذ ما لم يغلب على القلب الأنس بالله والحب له لم يخرج عنه حب الدنيا بكليته. إذ محبة الله ومحبة الدنيا في القلب كالماء والهواء في القدح، فإذا دخل احدهما خرج الآخر، فكلاهما لا يجتمعان ولا يرتفعان أيضاً. فالقلب. المملوء من حب الدنيا يكون خالياً عن حب الله، كما أن القلب المشغول بحب الله وأنسه فارغ عن حب الدنيا وبقدر ما يقدر ما يخرج أحدهما يدخل الآخر وبالعكس.
..............................................
[1]في بعض النسخ (ردوا)، وفي بعض آخر (رودوا). والظاهر أن الصحيح ما اثبتناه.
جامع السعادات للنراقي ج2