مركز نور السادة الروحي
         
 
     

:: مركز نور السادة الروحي ليس لديه أي مواقع آخرى على شبكة الأنترنت، ولا نجيز طباعة ونشر البرامج والعلاجات إلا بإذن رسمي ::

::: أستمع لدعاء السيفي الصغير  :::

Instagram

العودة   منتديات نور السادة > نـور السـادة أهل البيت (عليهم السلام) > نور أهل بيت النبوة وموضع الرسالة (عليهم السلام)
التسجيل التعليمـــات التقويم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
قديم 08-25-2010, 09:43 AM   رقم المشاركة : 1
نقاء روح المرتضى
موالي متميز
 
الصورة الرمزية نقاء روح المرتضى








نقاء روح المرتضى غير متواجد حالياً

افتراضي الورع .. أهم (موضوع جميل)

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين
اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين
الأشراف وعجل فرجهم يا كريم يا رحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الورع .. أهم
إضاءات من محاضرة لسماحة المرجع الديني السيد صادق الشيرازي

بسم الله الرحمن الرحيم
روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله عدّة خطَب في استقبال شهر رمضان المبارك، منها الخطبة المعروفة التي خطبها في آخر جمعة من شهر شعبان، ومطلعها: «أيّها الناس، إنّه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة»(1).
ويمكن أن يُستظهر من بعض الروايات أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله كان يستقبل شهر رمضان من كلّ سنة بخطبة خاصّة، إمّا في أوّل الشهر أو قبل حلوله. فهناك عدّة خطَب مرويّة عن رسول الله صلى الله عليه وآله في استقبال هذا الشهر الفضيل، منها هذه الخطبة التي يرويها الشيخ الصدوق رضوان الله عليه وينتهي بسندها إلى الإمام الرضا، عن آبائه عن أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليهم، والتي تبدأ ـ كما قلنا ـ بقوله صلى الله عليه وآله: «أيّها الناس، إنّه قد أقبل إليكم شهر الله...»، ولعلّ العديد منكم يحفظها فأنتم أهل علم ووعظ وإرشاد(2).


:. أفضل الأعمال في شهر رمضان


لست الآن بصدد تفسير الخطبة وبيان مفرداتها، فهي خطبة عظيمة وتحتاج إلى بيان وتفسير واسعين، وإن كان يمكن أن تقال بشأنها وحول بنودها مطالب وبحوث كثيرة، لكنّي أريد هنا أن أذكر شيئاً واحداً وهو: أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله ذكر للمؤمنين في هذه الخطبة عشرين بنداً ـ أو ما ينيف ـ وحثّ المؤمنين عليها وشجّعهم نحوها، ولكن حينما توجّه إليه أمير المؤمنين سلام الله عليه في نهاية الخطبة بسؤال عن أفضل الأعمال في هذا الشهر ـ علماً أنّ سؤال الإمام ليس لنفسه بقدر ما هو لي ولك ولعامّة الناس ـ لم يذكر النبيّ صلى الله عليه وآله في جوابه أيّاً من البنود التي جاء على ذكرها ضمن فقرات خطبته، أي لم يقل له مثلاً: إنّ قراءة القرآن أفضل الأعمال في هذا الشهر أو الإطعام أو أيّ شيء آخر، بل أجابه بأمر آخر لم يكن ضمن بنود الخطبة الشريفة؛ حين قال له: «الورع عن محارم الله»(3).

:. ما هو الورع؟


والورع أفضل الأعمال في كلّ وقت وزمان وإن خصّ في هذا الشهر الكريم بالذات. إذاً، فما هو المقصود من الورع؟ وما ينبغي لنا فعله نحن ـ الخطباء والوعّاظ وطلاّب العلوم الدينية خصوصاً ـ صيانة لأنفسنا في هذا الشهر العظيم تحديداً؟
إنّ أوّل مقتضيات الورع أن ينتهي الإنسان عن المحرّمات ويتحرّج منها فلا يقربها.
ولاشكّ أنّ كلّ إنسان تتناسب تكاليفه وواجباته مع مقدار معرفته ومدى فهمه وعلمه، فكلّما ازداد الإنسان علماً ومعرفة تضاعفت مسؤولياته وواجباته.
ولكي يكون الورع حليتنا ـ أعني، أهل العلم والمرشدين المتصدّين لهداية الناس¬ـ يتحتّم علينا واجبان أساسيان، بدونهما لا يتحقّق الورع عندنا:


:. الواجب الأوّل: ترويض النفس


لا يمكن للنفس البشريّة أن تستقيم هكذا بسهولة وبسرعة من دون حاجة إلى ترويض ومقدّمات. بل هي بحاجة إلى رياضة مستمرّة وكما يقول مولانا أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه في بعض كلماته:
«وإنّما هي نفسي أروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر»(4).
فترويض النفس إذاً من أهمّ الواجبات العينية بالنسبة إلى كلّ فرد، ويتأكّد بالنسبة لنا ـ نحن الوعّاظ والمبلّغين وعلماء الدين ـ لأنّ كلّ واحد منّا يتعلّم منه أفراد وربّما جماعات ويتلقّون منه ويقتبسون ويقتفون أثره، ويتأثّرون بكلامه وحركاته وتصرّفاته.
فإنّك وإن كنت فرداً في وجودك الخارجي لكنّك لست كذلك في العمل؛ لأنّ هناك مَن يعتبرك مرشداً وهادياً ويقتدي بأفعالك سواء كنت خطيبا ً أو عالماً.
أنقل لكم قصّة عن أحد العلماء الماضين رضوان الله عليهم، كما رواها لي بنفسه؛ قال:
لما عدت إلى قريتي ومسقط رأسي لزيارة أهلي وذويَّ بعد أن فارقتهم لسنوات عدّة من أجل الدراسة، جاء أهل القرية بدورهم لزيارتي والاحتفاء بي.
وفي أحد الأيّام سألني قريب لي قائلاً: هل يستحبّ تقديم الرجل اليمنى إذا أريد الدخول في خزانة الماء في الحمّامات؟
يقول العالم: قلت له: لا. فهذا الحكم ـ أي تقديم اليسرى عند الدخول واليمنى عند الخروج ـ مختصّ ببيت الخلاء، أمّا بالنسبة لغيره كالحمّامات وأحواض الماء فلم يُروَ مثله.
فقال لي مستغرباً: إنّ فلاناً ينقل عنكم ذلك!
قلت له: أنا لا أعلم هذا الشيء، فكيف ينُقل عنّي؟!
قال: لكنّ فلاناً ملتزم به طول هذه المدّة، وهو ينقله للآخرين حتى صاروا متعبّدين به لأنّه ينقله عنكم!
يقول العالم: عجبتُ من الأمر، لأنّني لم أرَ هذا الحكم طيلة حياتي ولا سمعت به، فكيف ينقله هذا الشخص عنّي وينسبه لي، ولم أكن قد قلته له لعدم علمي به؟
يقول العالم: فطلبت ذلك الشخص، وسألته: أ أنت نقلتَ عنّي استحباب تقديم الرجل اليمنى عند دخول خزانة الحمّام، وتقديم اليسرى عند الخروج؟ قال: نعم.
قلت: متى قلت لك هذا؟
قال: إنّك لم تقله لي مباشرة، ولكن عندما جمعني وإيّاك الحمام ذات يوم، نظرت إليك، فلاحظتُك تعمل هكذا ـ أي تقدّم رجلك اليمنى حين الدخول، واليسرى حين الخروج ـ .
قلت: هذا شيء عادي وليس بعنوان كونه مستحبّاً.
والآن أيّها الإخوة انظروا إلى قصّة هذا العالم واعتبِروا! لقد اتّخذوه أسوة حتّى في العمل العادي؛ ممّا يثبت لنا أنّنا لسنا أفراداً في العمل وإن كنّا كذلك في وجوداتنا الخارجية، بل إنّ كلّ واحد منّا هو مرجع تقليد بمستوى تأثيره ونسبة حضوره. لا فرق في ذلك بين طالب العلم والخطيب وعالم القرية والمدينة، فكلّ على قدره ومستواه؛ ممّا يكشف أنّنا غير مسؤولين عن أنفسنا فحسب، بل حتى عن أولئك الذين يتعلّمون منّا، حين يلاحظوننا في كلّ شيء، حتّى في أعمالنا وحركاتنا الصغيرة والعفوية.
ما ذكرته لا ينحصر بذلك العالِم ولا بالعلماء والمراجع وحدهم، بل يشمل كلَّ من له تأثير في المجتمع وإن كان في مستويات أقلّ.


:. تغيير النفس بحاجة إلى مقدّمات


فإذا كان تغيير النفس من الواجبات العينية بالنسبة لنا، فهذا يعني أنّ على الإنسان أن يمهّد لها السبل والأساليب التي تجعله لا يعصي الله تعالى، وهذا أمر لا ينبغي الاستهانة به، بل لابدّ له من تهيئة مقدّمات وتمهيدات تساعده على ذلك، وكما قال الإمام سلام الله عليه: «أروّضها».
إنّ رياضة النفس أكثر صعوبة في مواجهة النوازع والغرائز الشهوانية التي تعتري الإنسان بحكم تعايشه مع البيئة والمجتمع وهي موانع قوية جدّاً من قبيل: الأنا والهوى وما يستتبعهما وكما قال الشاعر:

نفسي وشيطاني ودنياي والهوى
كـيف الخـــلاص وكلّــهم أعـدائـي
هذه الموانع جميعها تواجهنا وبقوّة، ولكي نسيطر عليها ونكبح جماحها تتطلّب منّا همّة قويّة معاكسة للتغلّب عليها. وشهر رمضان مناسبة جيّدة جدّاً؛ وكما ورد في هذه الخطبة المباركة نفسها من قوله صلى الله عليه وآله: «والشياطين مغلولة فاسألوا ربّكم أن لا يسلّطها عليكم» فلنكن حذرين يقظين منتبهين جدّاً.
فما من فرصة للرياضة الروحية وترويض النفس أعظم من الصوم؛ فالإنسان الخاوي البطن تقلّ شهواته، وتتقاعس رغباته الأمّارة بالسوء كلّ حسب استعداده في تقرّبه إلى الله تعالى. وهذه الأجواء الرائعة متوافرة في شهر رمضان أكثر من غيره من الشهور والأيّام، أي أنّ أجواء هذا الشهر تساعد الإنسان على ترويض نفسه، فلنتّخذ من هذا الشهر الكريم مناسبة لتغيير أنفسنا فيه حقيقة.
وهذا شيء ممكن، وهو في هذا الشهر أسهل؛ لأنّ الإنسان مهما كان ـ والعياذ بالله ـ بعيداً عن الخير والصلاح والتقوى، يمكنه أن يستفيد من أجواء هذا الشهر لتغيير نفسه، فإنّ الله تعالى قد أودع هذه القدرة في الإنسان، وفرض عليه الصوم في شهر رمضان كي تكون له فرصة مناسبة جدّاً لإتمام هذا الأمر.
أنقل لكم فيما يلي قصّة أحد العلماء المتّقين في هذا المجال، وكيف أنّه تغيّر تغيّراً كبيراً حتّى أصبح مسلّم العدالة في عصره.
إنّني لم أدركه بالطبع لكنّي سمعت قصّته من الذين عاشرتهم من أبناء الجيل السابق، حيث تعود القصّة إلى ما قبل زهاء ثمانين سنة.
سأنقل لكم قطعتين من تاريخه، وانظروا كيف يمكن للإنسان أن يتغيّر:
القطعة الأولى من بداية حياته: كان طالب علم يدرس العلوم الدينية في العراق، ولكنّه كان شابّاً كأيّ واحد من الشباب في عصره. وكان من عادة بعض الشباب الموسرين آنذاك إذا أراد الزواج هُيّئ له بدلة (حُلّة) من قماش خاصّ يأتون به من سوريا خصّيصاً ليرتديها ليلة الزواج. فإن كان طالب علوم دينية عملوا له منه جبّة أو قباء ـ مثلاً ـ وهكذا.
وحين وافت مناسبة زواج هذا الشاب الحوزوي، اتّفق نفاد هذا القماش من الأسواق. ومهما عمل للحصول عليه، لم يفلح. وكان يوجد من أنواع الأقمشة الأخرى بالعشرات، غير أنّ هذا النوع بعينه كان مفقوداً، الأمر الذي أدّى بهذا الشاب لأن لا يرضى عن ذلك القماش بديلاً!
ولم تكن وسائط النقل متوافرة يومئذ كما هي اليوم لتلبية رغبة هذا الشاب الطالب! وربما لم يكن يملك المال الكافي لإرسال مَن يأتي له به من سوريا ـ حيث يوجد هذا القماش بكثرة ـ على عجل؛ فما كان منه إلاّ أن أخّر زواجه لمدّة سنة كاملة أو أكثر أو أقلّ.
لقد أخّر زواجه كلّ هذه المدّة ليس إلاّ ليكون في ليلة زواجه مرتدياً من ذلك القماش! انظروا كم كان هذا الشاب عابداً لنفسه، بل كم كان بعيداً عن روح التقوى.
أمّا القطعة الثانية من تاريخه، وقد نقلها لي والدي رحمه الله؛ حيث يقول: كان الناس في النجف الأشرف حريصين على الصلاة خلف هذا الشخص؛ لأنّه كان قد وصل إلى مرتبة بحيث كانوا يعبّرون عنه بمسلّم العدالة عند الكلّ، بل مراجع التقليد كالمرحوم السيّد الحكيم والمرحوم والدي والمرحوم السيّد عبد الهادي الشيرازي والمرحوم السيّد حسين الحمامي كانوا يصلّون خلفه ويأتمّون به، قبل أن يتسنّموا مرتبة الإفتاء.
هكذا وإلى هذا المستوى تغيّر هذا الشابّ!! بحيث صار يصلّي خلفه أشخاص أصبحوا فيما بعد مراجع تقليد للمسلمين.
إذاً من الممكن أن يغيّر الإنسان نفسه ولو خطوة خطوة. وشهر رمضان مناسبة جيّدة جدّاً للتغيير.
لا تقولوا: نحن طلاّب علوم دينية نصلّي ونصوم ونقرأ القرآن وندرس وندرّس ونخطب ونكتب؛ واعلموا أنّ الشيطان يركّز عليكم أكثر، ولا حاجة به إلى غيركم لطمعه فيكم، فأنتم همّه الأوّل والأكبر.
روي عن أبي جعفر سلام الله عليه قال: «إنّ الشيطان يغري بين المؤمنين ما لم يرجع أحدهم عن دينه، فإذا فعلوا ذلك استلقى على قفاه وتمدّد، ثمّ قال: فُزت»(5).
إنّ الشيطان يحاول أن يؤثّر فينا مهما وسعه، ثمّ يتشجّع للتقدّم أكثر. فلو استطاع أن يؤثّر في مجموعنا بنسبة الواحد في المئة كان ذلك العمل عنده خطوة إلى الأمام، فيطمع بالاثنين في المئة حتّى يصل ـ لا سمح الله ـ إلى التسعة والتسعين في المئة.
إذاً نحن ـ جميعاً ـ بحاجة إلى ترويض وانتباه بحيث إذا دخل أحدنا شهر رمضان وخرج منه يكون قد تغيّر ولو قليلاً، وملاك التغيّر هو العمل بالمستحبّات وترك المكروهات.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «إنّ الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم»(6)، وقال صلى الله عليه وآله: «وما منكم أحد إلاّ وله شيطان». فقيل له: أنت يا رسول الله؟ قال: «وأنا، ولكنّ الله تعالى أعاننـي عليه فأسلم»(7).


:. الشقي مَن حرم رضوان الله


يقول رسول الله صلى الله عليه وآله في هذه الخطبة الشريفة: «فإنّ الشقيّ مَن حُرم رضوان الله».
والألف واللام الداخلة على كلمة «شقيّ» في هذه العبارة تدلّ ـ كما تعرفون في علم البلاغةـ على الحصر، أي أنّ مَن حُرم غفران الله في هذا الشهر فهو الشقيّ لا غير. إذن هذا الشهر مناسبة جيّدة للتغيير.
فإذا انتهت هذه المناسبة ومرّت دون أن يحصل الشخص على شيء فإنّ رسول الله صلى الله عليه وآله يقول عنه أنّه شقيّ؛ لأنّ عشرات الأبواب بل مئات الأبواب بل ألوف الأبواب فُتحت لصلاح الإنسان في هذا الشهر، لكن هذا الفرد لم يحصل على شيء منها ولا استفاد من أيّ باب، فهو الشقيّ إذاً.


:. أنفسنا مرهونة بأعمالنا


إنّ زمام الأمر بأيدينا نحن وليس بأيدي غيرنا، وكلّ واحد منّا زمام نفسه بيده، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وآله في هذه الخطبة: «إنّ أنفسكم مرهونة بأعمالكم، ففكّوها باستغفاركم...».
فكما أنّ أحدكم إذا رهن داره إلى غيره لا يستطيع أن يتصرّف فيها ما لم يفكّ رهنها بالمال، فكذلك أنفسكم رهينة بأعمالكم، أي هي رهينة هذه النظرات والكلمات والأفكار والرواح والمجيء والنوم واليقظة.. إنّ أنفسكم مرهونة بهذه الأشياء، ففكّوها باستغفاركم. ومن الاستغفار قول: «أستغفر الله ربّي وأتوب إليه»، ولكنّه ليس كلّ الاستغفار كما تعلمون، بل منه ترويض النفس أيضاً، وهو من الواجبات العينية، كما قلنا. وكلّ ما علينا أن نعزم ونهمّ بالأمر، والتوفيق من الله.
أرأيتم كيف وُفِّق ذلك الطالب الشابّ عندما نوى التغيير مع أنّه لم يكن معصوماً ولا مرجعاً، لكنّه تحوّل ذلك التحوّل العجيب حتّى صار مقتدىً وإمام جماعة للعديد ممّن أصبحوا مراجع للتقليد فيما بعد.
ونحن في أيّ مرتبة كنّا من مراتب التقوى والورع والرياضة النفسية فهناك المزيد من المجال للتحوّل والارتقاء. وعلينا أن ننتهز الفرص كشهر رمضان فهو كما قلنا أحسن فرصة لترويض النفس وتغييرها.


:. الثواب في رمضان يضاعَف سبعين ضعفاً


أشار صلى الله عليه وآله في الخطبة نفسها قائلاً: «وجعل لمن تطوّع فيه بخصلة من خصال الخير والبرّ كأجر من أدّى فريضة من فرائض الله، ومن أدّى فيه فريضة من فرائض الله، كمن أدّى سبعين فريضة فيما سواه من الشهور». وهذا معناه أنّ كلّ فريضة في رمضان لها ثواب سبعين فريضة في غيره. أي أنّك لو أمرت بالمعروف في هذا الشهر أو نهيت عن المنكر فثواب عملك سيكون سبعين ضعفاً.
ولو ألّفت كتاباً في شهر رمضان أو خطبت خطبة أو أسّست مكتبة أو هيئة لإرشاد الناس، أو قمت بالتدريس، أو ساعدت المحتاجين في هذا الشهر، أو سعيت لترويض نفسك وتغييرها، فثوابه عند الله يعادل سبعين مرة ما لو عملت مثله في غيره من الشهور. فمجلس واحد في شهر رمضان يعادل سبعين مجلساً في غيره وهكذا.


:. الواجب الثاني: هداية الناس


أنتم طلبة فقه وأصول وتعرفون أنّ الواجب الكفائي قد ينقلب عينياً إذا لم يوجد مَن فيه الكفاية، ومن جملة الواجبات الكفائية هداية الناس وإرشادهم، ولكنّي أسأل: هل يوجد العدد الكافي اليوم لهداية كلّ الناس؟ فهذا الكمّ الهائل من الغافلين والجاهلين بفروع الدين وأصوله من أتباع الدين الإسلامي ـ ناهيك عن الديانات الأخرى¬ـ هل يوجد مَن فيه الكفاية لهدايتهم وإرشادهم؟ كلاّ. إذاً، التصدّي للإرشاد والهداية واجب عينيّ أيضاً. وله مقدّمتان كلتاهما مهمّتان:

:. المقدّمة الأولى: تحصيل العلوم الإسلامية


إنّ الناس في هذا الزمان خصوصاً الشباب لا سيّما طلاّب المدارس العامّة والجامعيين منهم، هم بأمسّ الحاجة لمَن يقول لهم ما هي الواجبات وما هي المحرّمات، فأكثر هؤلاء أذهانهم محشوّة بعشرات بل مئات الأسئلة حول الإسلام وتشريعه، بانتظار مَن يجيبهم، الأمر الذي يحتاج منّا إلى علم ودراسة عميقين، فلا يتمكّن كلّ شخص أن يجيب عن أسئلتهم بسهولة ويعرّض نفسه للجواب والخطاب والكتاب والنقاش من دون علم، بل إنّ ذلك يحتاج إلى أرضية وتعبئة علمية وافية.
كما لا يخفى أنّ مقدّمة الوجود للواجب المطلق ـ حسب اصطلاح العلماء ـ واجبة أيضاً. فإذا وجب شيء على الإنسان، وتوقّف ذلك الشيء على شيء آخر صار ذلك الشيء الآخر واجباً عليه أيضاً.
فمَن وجبَ عليه الحجّ ـ مثلاً ـ لا يُقال له: يجب عليك ركوب الطائرة أو السيّارة أو إعطاء النقود لهذا الغرض، بل هذه الأمور تجب عليه بداهة من باب وجوب الحجّ عليه وتوقّف الحجّ عليها بحسب استطاعته.
وهكذا الأمر بالنسبة لإرشاد الناس وهدايتهم. فهو واجب كفائي لمَن توجد فيه الكفاءة، ولهذا الواجب مقدّمات قد تصبح واجبة من باب كونها مقدّمات وجود الواجب. فالمهمّ والواجب هو أن يتمّ إرشاد الناس وهدايتهم ليتحقّق انتشالهم من التيه والضلال، فإذا توقّف هذا المهمّ على مقدّماته كالتهيّؤ والاستعداد العلمي وجبت كذلك من باب الملازمة.
فنحن مهما أوتينا من العلم فهناك ألوف الأسئلة التي لا نعرف لها جواباً يلزم أن نتهيّأ لها. وشهر رمضان مناسبة جيّدة لأن يستثمرها كلّ منّا حسب مقدرته، لأنّ كسب المقدّمات يعدّ من الواجبات المهمّة في هذا المجال وغيره ممّا له صلة بالتقرّب إلى الله سبحانه.
إنّ تهيئة هذه المقدّمات أهمّ من قراءة القرآن في شهر رمضان فيما إذا اقتصر الهدف من القراءة على طلب الثواب والتبرّك، لأنّ قراءة القرآن بهذه الصورة المجرّدة تعتبر مستحبّة لكنّ التهيّؤ العلمي للقيام بدور الإرشاد والتبليغ واجب.
لاشكّ أنّ قراءة القرآن مقدّمة لمعرفته، ومعرفته مقدّمة للعمل به ومقدّمة لتعليمه للآخرين، وهي مقدّمة لإرشاد الناس إلى القرآن، بيد أنّ القراءة بذاتها مستحبّة، وهذا الأمر ـ التحصيل العلمي ـ مقدّم عليها، إلاّ إذا كانت القراءة بتدبّر وتفكّر، حينها ستكون هي الأخرى مقدّمة وتعبئة علمية، ضمن مقدّمات الوجود في مجال ترويض النفس، فإذا روّض الإنسان نفسه بقراءة القرآن والتفكير عميقاً في معانيه والتأمّل في آياته، مهّد لنفسه أساساً متيناً في أساليب ترويض النفس، يساعده أكثر في بلوغ أهدافه ممّا إذا كانت قراءته للقرآن مجرّد قراءة وإن كانت مستحبّة.
صحيح أنّ كلّ آية يقرأها الإنسان في شهر رمضان ـ كما ورد في الخطبة الشريفة نفسها(8)ـ تعدل قراءة القرآن كلّه في غير شهر رمضان؛ لكن الحديث في مقدّمات الواجب. فإذا كانت القراءة من باب المقدّمية للواجب فهي واجبة بلا شكّ وإلاّ فـ «لا قربة بالنوافل إذا أضرّت بالفرائض»(9).
فإرشاد الناس هو من الفرائض العينية فعلاً، وإن كان من الفرائض الكفائية بذاته؛ لأنّ علماء الإسلام يُجمعون أنّ الواجب الكفائي ينقلب عينياً إن لم يوجد من به الكفاية على أدائه، وكلّ على قدر سعته.
نعود إلى القول: إنّ هداية الناس أفضل من مجرّد القراءة للاستحباب، كما نقول: عليكم أنتم طلاّب العلوم الدينية أن تكونوا مشغولين دائماً بالدراسة والتدريس والكتابة والتأليف، وشهر رمضان أفضل مناسبة لهذه الأمور.


:. المقدّمة الثانية: جمال التعبير في القلم والكلام


يعتبر القلم والكِلم في هداية الناس وإرشادهم بمثابة إناء الإرشاد وظرفه ووعائه.
فالطعام مهما كان لذيذاً وطيّباً قد لا يستساغ فيما لو وُضع في إناء أو وعاء غير نظيف أو غير صحّي، فترى الإنسان حتى لا يمدّ يده نحو مثل هذا الطعام ليرى إن كان لذيذاً أم لا، وذلك لما احتواه من وعاء غير مناسب.
أمّا إذا جيء بطعام عادي ولكن في إناء نظيف وجميل وجذّاب فسوف تتناوله الأعين قبل الأيدي بشوق حتّى إن لم يكن بمستوى الطعام الأوّل.
ووعاء الهداية والإرشاد هو القلم واللسان. فكلّما كانت الكتابة أجمل كان التأثير أفضل وأحسن.
انظروا إلى القرآن وكلام الرسول وأهل البيت سلام الله عليهم، أوَليس كلّ ذلك لنا قدوة؟
إنّ الأمور التي يطرحها القرآن الكريم هي أمور صحيحة وجميلة فما الحاجة إلى أن يطرحها بأسلوب بلاغي متقن ومعجِز؟ إنّ القرآن الكريم كتاب هداية، فلماذا يهتمّ بجمال الأسلوب والتعبير؟ نقول في الجواب: إنّ ذلك جزء من عملية الهداية. وهكذا الحال بالنسبة لكلام المعصومين سلام الله عليهم.
فالألوف من علماء المشركين والنصارى واليهود، إنّما اهتدوا عن طريق جمال التعبير في القرآن الكريم.
إنّ الجمال مهمّ ومطلوب لهداية الناس، فلا يكفي أن يكون المطلب صحيحاً بل لابدّ من جمال الأسلوب والتعبير أيضاً.
إذا كان الناس يبحثون عن البروتين في اللحم فلماذا لايكتفون بتناوله وحده هكذا من دون توابل ومرق و... مع أنّه هو الأساس، بل نراهم يخلطون معه عشرات الأشياء لكي يصبح لذيذاً ومقبولاً؟ هكذا هو الحال مع المعنى الصحيح فلابدّ أن تجعلوه في وعاء جميل لكي يتقبّله الناس منكم.
وهذا الأمر بحاجة إلى تعلّم وتمرين، لأنّه لا يأتي هكذا عفواً، بأن ينام الشخص مثلاً في الليل ويستيقظ في اليوم التالي وقد أصبح أديباً. وشهر رمضان فرصة جيّدة لنا لتطوير قابليّاتنا في هذا المجال أيضاً.
فبقدر ما نستفيده في هذا الشهر من فيوض الرحمة وأجواء المغفرة، لنستفد أيضاً من هذين الأمرين المهمّين، أعني: ترويض النفس، وإرشاد الناس وهدايتهم.
أسأل الله سبحانه أن يوفّقنا في هذا الشهر جميعاً لكلّ الصالحات ولكلّ أمور الخير لاسيّما هذين الأمرين: ترويض النفس وهداية الناس.

(1) فضائل الأشهر الثلاثة للصدوق، ص77 رقم 61 والأمالي له، ص153 رقم 4 المجلس العشرون.
(2) كان سماحته يلقي كلمته على طلاّب العلوم الدينية في استقبال شهر رمضان.
(3) وسائل الشيعة: ج10، ص313، ح20، باب تأكّد استحباب الاجتهاد في العبادة. بحار الأنوار: ج93، ص356، ح25، باب46.
(4) نهج البلاغة:3/70 رقم45. من كتاب له سلام الله عليه إلى عثمان بن حنيف.
(5) الكافي: ج2، ص345، ح6، باب ذي اللسانين.
(6) بحار الأنوار: ج60، ص329، الأخبار الدلّة على وجود الجن والشياطين.
(7) عوالي اللئالي، ج4، ص97، رقم 136.
(8) في قوله صلى الله عليه وآله: «ومن تلا فيه آية من القرآن، كان له أجر من ختم القرآن في غيره من الشهور». راجع الخطبة موضع الاستشهاد.
(9) وسائل الشيعة: ج4، ص286، ح7، باب60 ـ باب أن من شك قبل خروج الوقت... .






التوقيع

البرنامج الأول لمدرسة السير وسلوك
29/1/2017



أيماني بك سيدي .. فأنت فداك روحي .. ينبوع تقوى .. فسلام الله عليك سيدي في كل حين

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
اَللّـهُمَّ كُنْ لِوَلِيِّكَ الْحُجَّةِ بْنِ الْحَسَنِ
صَلَواتُكَ عَلَيْهِ وَعَلى آبائِه في هذِهِ السَّاعَةِ
وَفي كُلِّ ساعَة وَلِيّاً وَحافِظاً وَقائِداً وَناصِراً
وَدَليلاً وَعَيْنا حَتّى تُسْكِنَهُ اَرْضَكَ طَوْعاً
وَتُمَتِّعَهُ فيها طَويلاً. برحمتكَ يا
أرْحَمَ الرَّاحِمين.



روي عن النبي (ص) أنه قال"قال الله تعالى لا أطلع على قلب عبد ، فأعلم فيه حب الإخلاص لطاعتي لوجهي ، وابتغاء مرضاتي إلا توليت تقويمه وسياسته ، ومن اشتغل بغيري فهو من المستهزئين بنفسه ، ومكتوب اسمه في ديوان الخاسرين "

روي عن الإمام الحجة (عجل الله تعالى فرجه الشريف):
« فليعمل كل امرىء منكم بما يقربه من محبتنا ويتجنب ما يدنية من كراهتنا وسخطنا »

يقولُ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) : « مَنْ عَسُرَتْ عَليهِ حآجَةْ, فَليُكْثِرْ بالصَلآةِ عليَّ, فإنهآ تكْشِفُ الهُمومَ والغُمومْ , وتكثرُ الارزآقْ , وتقضيْ الحوآئِجْ»

روي عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنّه قال : « أحرصوا على قضاء حوائج المؤمنين ، وإدخال السرور عليهم ، ودفع المكروه عنهم ، فإنّه ليس شئ من الأعمال عند الله عزّ وجلّ بعد الفرائض ، أفضل من إدخال السرور على المؤمن»
  رد مع اقتباس
قديم 08-26-2010, 08:42 AM   رقم المشاركة : 2
نور القائم (عج)
مـراقـبة عامة ( شؤون إدارية )
 
الصورة الرمزية نور القائم (عج)








نور القائم (عج) غير متواجد حالياً

افتراضي رد: الورع .. أهم (موضوع جميل)

بسم الله فالق النور
اللهم صل على محمد وآله الاطهار وعجل فرجهم يا كريم.

مأجورة إن شاءالله أخيتي الحبيبة على المحاضرة

سلمت روحكم النورانية

حفظكم الله من كل سوء







التوقيع

بسم الله الرحمن الرحيم

الَلهّمّ صَلّ عَلَىَ محمد وآل مُحَّمدْ الَطَيبيِن الطَاهرين الأشْرَافْ وَعجَّل فَرَجَهُم ياَكَرِيمَ..
السلام عليكَ سَيدي ومَوْلاي يا بَقـِيةَ اللهِ في أَرْضِهِ وَرَحْمَةُ الله وبركاته.

فأُطالبكَ يا الهي أن ترزقني شهادةً مُطَهِّرَةً أنا اخترتُها لنفسي كفارةً عن ذنبي، شهادةً قلّ نظيرُها يتفتتُ فيها جسدي و تنال كل جارِحة من جوارحي ما تستحقُّه من القصاصِ و العقوبةِ و بعدها يا ربِّ يصبحُ حتماً أن تسكنني بجِوارِكَ و جِوارِ أولِيائكَ

كن مع الله يكن الله معك

  رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة



الساعة الآن 03:39 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.