بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين
:. هذه مكانة الإمام الحسين سلام الله عليه في السماوات فهل عرفناه حقّ معرفته؟
إن الإمام الحسين سلام الله عليه أقام دين جدّه صلّى الله عليه وآله، ولولاه لما قامت للدين الإسلامي قائمة. وهذا ما سنبيّنه خلال البحث؛ عسى أن نكون قد تحدّثنا عن الإمام الحسين سلام الله عليه وفضله ووفينا ببعض ما علينا تجاهه ولو بمقدار ما تحمله رأس الأبرة من بلل البحر!! ذلك أنّ الحديث عن الحسين سلام الله عليه حديث عن الله سبحانه والقرآن وعن الرسالة والحق وعن كلّ فضيلة.
لقد ذكر القرآن الكريم قصّة إسراء نبيّه وعروجه إلى السماء في عدّة موارد منها قوله تعالى في سورة النجم: ﴿ثم دنا فتدلّى، فكان قاب قوسين أو أدنى﴾(2).
جاء عن ابن عباس: «فلما بلغ صلّى الله عليه وآله إلى سدرة المنتهى فانتهى إلى الحجب قال جبرئيل: تقدم يا رسول الله ليس لي أن أجوز هذا المكان ولو دنوت أنملة لاحترقت»(3).
وجاء في رواية أخرى أنه صلّى الله عليه وآله قال: «فلمّا انتهيت إلى حجب النور قال لي جبرئيل: تقدّم يا محمد، وتخلّفَ عني، فقلت: يا جبرئيل في مثل هذا الموضع تفارقني؟! فقال: يا محمد إن انتهاء حدّي الذي وضعني الله عزّ وجلّ فيه إلى هذا المكان، فإن تجاوزته احترقت أجنحتي بتعدّي حدود ربي جلّ جلاله. فزخَّ بي في النور زخّة حتى انتهيت إلى حيث ما شاء الله من علوّ ملكه»(4).
وهنا عندما بلغ الله تعالى بحبيبه هذه المرتبة جعل يريه آياته الكبرى، وتحقق قوله سبحانه: ﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾(5) وكان مما رآه صلى الله عليه وآله من الآيات الكبرى مكانة حفيده الإمام الحسين سلام الله عليه وعظمته في السماوات.
عن الإمام الحسين سلام الله عليه قال: «أتيت يوماً جدّي رسول الله صلى الله عليه وآله، فرأيت أُبَيّ بن كعب جالساً عنده، فقال جدّي: مرحباً بك يا زين السماوات والأرض! فقال أُبيّ: يا رسول الله! وهل أحد سواك زين السماوات والأرض؟ فقال النبي صلّى الله عليه وآله يا أُبَي بن كعب والذى بعثني بالحقّ نبياً، إنّ الحسين بن علي في السماوات أعظم مما هو في الأرض، واسمه مكتوب عن يمين العرش: إن الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة»(6).
ومن هنا كان على زائر الإمام الحسين سلام الله عليه أن يعرف أنّه بين يدي مَن، ويكلّم مَن، ولو كنّا كذلك ونحن في حرم الحسين سلام الله عليه وبين يديه وعندما نزوره لما شُغلنا بغيره أبداً. يقول الإمام الصادق سلام الله عليه: «مَن أتى الحسين عارفاً بحقّه كتبه الله في أعلى علّيين»(7).
إنّ الله سبحانه وتعالى دعا أشرف أنبيائه ومن خاطبه بقوله: «لولاك لما خلقت الأفلاك»(8)، دعاه في أعظم دعوة لأعظم وليمة يغذيه فيها بالتعاليم الروحية وليريه آياته الكبرى، ومنها «أنّ الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة». فهذا هو الحسين سلام الله عليه؛ فهل عرفناه حقّ معرفته؟
أنّى لطاقاتنا المحدودة أن تدرك الحسين سلام الله عليه؟ والله سبحانه يعبّر عنه بآيته الكبرى، ويقول عنه أنّه مصباح الهدى وسفينة النجاة. فهذا ليس تعبير الإمام الصادق أو أمير المؤمنين سلام الله عليهما ولا تعبير جدّه رسول الله صلّى الله عليه وآله، بل هو كلام الله مكتوب على ساق العرش وقبل أن يولد الحسين سلام الله عليه.
وهنا نسأل: لماذا يري الله أشرف أنبيائه هذه الكلمة عن حفيده ويعدّه آية كبرى؟ وما هو السرّ وراء ذلك؟
والجواب: هو أنّ الحسين سلام الله عليه خير مَن طبّق الآية التي صدّرنا بها البحث وما وصّى الله به نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد سلام الله عليهم أجمعين، وهو ﴿أن أقيموا الدين﴾. إن الحسين سلام الله عليه أقام الدين وحفِظ الشريعة. فلولا الحسين لما كانت الصلاة اليوم ولا الصيام ولا حجَّ البيت أحدٌ؛ لأنّ بني أمية كانوا على وشك القضاء على الدين، ولكن الحسين سلام الله عليه حفظه وأقامه بدمه ودماء أهل بيته.
وصلّى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
(2) سورة النجم، الآية 8 . والقوس: ما يُرمى به النبل، وهو خشبة مقوّسة، وقابه: ما بين طرفي الخشبة وهو بضعة أشبار. وهذا التعبير كناية عن القرب.
(3) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج18، ص286.
(4) بحار الأنوار، ج18، ص346.
(5) سورة النجم، الآية 18 .
(6) مدينة المعاجز، للسيد هاشم البحراني، ج4، ص51.
(7) بحار الأنوار، ج98، ص70.
(8) بحار الأنوار، ج16، ص406.
من محاضرات اية الله السيد صادق الحسيني الشيرازي
منقول من موقع مؤسسة الرسول الاعظم