في كتاب البحار عن
تفسير فرات بن إبراهيم عن أبي سعيد الخدري قال:أصبح علي بن أبي طالب (عليه السلام)
ذات يوم ساغباً وقال: يا فاطمة هل عندك شيء تغذّينيه؟ قالت: لا، والذي أكرم أبي
بالنبوة، وأكرمك بالوصية ما أصبح الغداة شيء، وما كان شيء أطعمناه مذ يومين إلاَّ
شيء كنت أؤثرك به على نفسي، وعلى ابني هذين؟ الحسن والحسين.
فقال علي: يا فاطمة؟
ألا كنتِ أعلَمتِني فأبغيكم شيئاً: فقالت: يا أبا الحسن إني لأستحيي من إلهي أن
أكلّف نفسك ما لا تقدر عليه.
فخرج علي بن أبي طالب
من عند فاطمة (عليهما السلام) واثقاً بالله بحسن الظن، فاستقرض ديناراً فبينما
الدينار في يد علي بن أبي طالب (عليه السلام) يريد أن يبتاع لعياله ما يصلحهم،
فتعرَّض له المقداد بن الأسود، في يوم شديد الحر، قد لوّحته الشمس من فوقه، وآذته
من تحته فلما رآه علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنكر شأنه فقال: يا مقداد ما
أزعجك هذه الساعة من رحلك؟ قال: يا أبا الحسن خلّ سبيلي ولا تسألني عما ورائي!!
فقال: يا أخي إنه لا
يسعني أن تتجاوزني حتى أعلم علمك. فقال: يا أبا الحسن رغبة إلى الله وإليك أن
تخلّي سبيلي، ولا تكشفني عن حالي!!!
فقال له: يا أخي إنه
لا يسعك أن تكتمني حالك. فقال: يا أبا الحسن! أمَّا إذا أبيتَ! فو الذي أكرم محمد
بالنبوة وأكرمك بالوصية ما أزعجني من رحلي إلاَّ الجهد وقد تركت عيالي يتضورون
جوعاً، فلما سمعت بكاء العيال لم تحملني الأرض، فخرجت مهموماً، راكب رأسي، هذه
حالي وقصتي!!
فانهمرت عينا علي
بالبكاء حتى بلّت دمعته لحيته فقال له: أحلفُ بالذي حلفتَ: ما أزعجني إلاَّ الذي
أزعجك من رحلك، فقد استقرضت ديناراً، فقد آثرتك على نفسي.
فدفع الدينار إليه
ورجع حتى دخل مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) فصلَّى فيه الظهر والعصر والمغرب،
فلما قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) المغرب مرَّ بعلي بن أبي طالب وهو في
الصف الأول فغمزه برجله، فقام علي متعقباً خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى
لحقه على باب من أبواب المسجد، فسلَّم عليه فردَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)
السلام، فقال: يا أبا الحسن هل عندك شيء نتعشاه فنميل معك؟
فمكث مطرقاً لا يحير
جواباً، حياءً من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكان النبي يعلم ما كان من أمر
الدينار، ومن أين أخذه وأين وجّهه، وقد كان أوحى الله تعالى إلى نبيه محمد (صلى
الله عليه وآله) أن يتعشى تلك الليلة عند علي بن أبي طالب.
فلما نظر رسول الله
(صلى الله عليه وآله) إلى سكوته فقال: يا أبا الحسن ما لَك لا تقول: لا. فانصرف؟
أو تقول: نعم. فأمضي معك؟ فقال - حياءً وتكرماً -: فاذهب بنا!!
فأخذ رسول الله (صلى
الله عليه وآله) يد علي بن أبي طالب فانطلقا حتى دخلا على فاطمة (عليها السلام)
وهي في مصلاّها قد قضت صلاتها، وخلفها جفنة تفور دخاناً.
فلما سمعت كلام رسول
الله (صلى الله عليه وآله) خرجت من مصلاّها فسلّمت عليه وكانت أعزّ الناس عليه،
فردّ عليها السلام، ومسح بيده على رأسها وقال لها: يا بنتاه كيف أمسيت؟ قالت:
بخير. قال: عشّينا، رحمك الله، وقد فعل.
فأخذت الجفنة فوضعتها
بين يدي النبي (صلى الله عليه وآله) وعلي بن أبي طالب.. إلى أن قال: فقال علي لها:
يا فاطمة أنِّي لك هذا الطعام الذي لم أنظر إلى مثل لونه قط، ولم أشمّ ريحه قط،
وما آكل أطيب منه؟؟
قال: فوضع رسول الله
(صلى الله عليه وآله) كفّه الطيبة المباركة بين كتفي علي بن أبي طالب (عليه
السلام) فغمزها، ثم قال: يا علي! هذا بدل دينارك، وهذا جزاء دينارك من عند الله،
إن الله يرزق من يشاء بغير حساب.
ثم استعبر النبي (صلى
الله عليه وآله) باكياً، ثم قال: الحمد لله الذي أبى لكم أن تخرجا من الدنيا حتى
يجزيكما ويجريك - يا علي - مجرى زكريا، ويجري فاطمة مجرى مريم بنت عمران، كلما دخل
عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً