بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين الأشراف وعجل فرجهم ياكريم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :
أعظم الله تعالى أجورنا وأجوركم أخواني أخواتي بمصاب أبي الاحرار الحسين بن علي عليهما السلام
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ * إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ الصفّ 1-4
أشرنا سلفا إلى التقابل بين من مقت الله الشديد لمن ينقضون مواثيقهم، وبين حبّ الله لمن يوفون بالعهود، وقد كان الحسين في كربلاء يرى في كلّ شهيد وقع على أرض المعركة مثالا للوفاء بالعهد، فكان صلوات الله وسلامه عليه يستقبل كلّ شهيد بتلاوة قول الله تعالى ﴿فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ﴾ [الأحزاب: 23] والنحب في اللغة هو العهد والميثاق، والمنتظِر يعني في اصطلاح روايات أهل البيت من يعيش في زمن الغيبة منتظراً الفرج بظهور القائم (عج)، فكان نظر الإمام الحسين على هؤلاء الذين قد وفوا بعهدهم فعلا، وعلى أولئك المنتظرون الذين هم امتداد لهذه الكوكبة.
كما ذكرنا بالأمس أنّ الوفاء بالعهد والميثاق نظم اجتماعيّ لا يقوم به الفرد بل كامل المجتمع، ومن نقض هذا الميثاق ولم يلتزم به فقد استحقّ مقت الله، ولو وقع ذلك منه مرّة واحدة ﴿الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾ [الفتح: 10]
الآيات في سورة الصفّ تبيّن الأسباب والصفات التي تؤدّي إلى محبّة الله تعالى، وبالتالي محبّة رسوله وأوليائه، وتقدّم للإنسان قواعد تعينه على تحديد موقعه وانتمائه، حتى لا يلتبس عليه الأمر، ويعرف من أيّ الصفّين هو.
من هم أحباب الله؟
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾
ذكرنا أنّ الله تعالى إنّما يحب نفوس هؤلاء المقاتلين لا قتالهم، فهو تعالى لا يحبّ القتال في سبيله بل يحب الذين يقاتلون في سبيله.
لقد تعدّدت النظريّات البشريّة في مسألة الفداء والتضحية، فيرى البوذيّون –مثلا- أنّ الأصل هو قبح القتال على كلّ حال وزمان ومكان ولأيّ سبب, ويرون أنّ على الإنسان أن يعيش مسالما، ولو أدّى ذلك إلى ذلّته وانكساره.
وهناك من المجتمعات كالرأسماليين يرون أنّ الكون قائم على مبدأ الصراع بين القوي والضعيف، وأنّ البقاء للأقوى.
لكنّ القرآن الكريم يتبنّى منطقا آخر، فنبيّ الله محمّد صلّى الله عليه وعلى آله مع أنّه بعث في أمّة يأكل فيها القوي الضعيف؛ إلا أنّه لم يدع للقتال وإراقة الدماء، بل على العكس، أعاد بناء ذلك المجتمع القاسي الخشن على الرأفة والرحمة، وتختلف النظريّة الإسلامية عن النظريّات الأخرى في أصل الالتزام بمنطق القوّة من أجل الدين وفي سبيل الله، فإذا جاء من يريد أن يقلب شرعة السماء من العلم إلى الجهل، ومن النور إلى الظلمات، فيجب على المجتمع المسلم دفعه وإبعاده.
لقد جاء رسول الله ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وجاء بنو أميّة ليخرجوا الناس من النور إلى الظلمات، وليسدّوا طريق الله في وجه البشر، أراد بنو أميّة تقويض كلّ جهود السماء في الهداية والإرشاد، وهذا التضليل والتجهيل لا بدّ في منطق الإسلام من مواجهته.
صومنا وصلاتنا ببركات كربلاء :
علينا أن نعلم بأنّ الوضع الذي نعيشه من تيسّر أداء التعاليم الإسلاميّة من صلاة وصوم وحجّ ... لم يأتِ نتيجة سريان وضع طبيعيّ، فلولا كربلاء وتضحيات الشهداء، ولولا الجهاد، لما وصلنا إلى هذا الوضع، ولو تأمّلنا التاريخ القريب لوجدنا أنّه لولا قيام الثورة الإسلاميّة في إيران، ولولا تضحيات أولئك المؤمنين، ما كان البدن الإسلاميّ ليتحمّل هذا المقدار من الضربات التي تأتيه من الأعداء، ومن عاصر زمن ما قبل انتصار الثورة يعرف كيف كان مستوى وعي الناس وفهمهم وتديّنهم وثقافتهم وولائهم في ذلك الحين، وأمّا الآن فإنّنا نرى كيف ضخّت الثورة الإسلامية على يد الإمام رحمة الله عليه حياة جديدة وانبعاثا جديدا، ببركة الولاية التي التزمت بها منطقة معينة، خرجت من ركام الظلمات إلى بصيص من شعاع الولاية, واقتبست شعلة وهّاجة من نور محمّد وأهل بيته صلوات الله وسلامه عليه أجمعين.
إذن فمنطق الإسلام أنّ من يريد إطفاء نور الله، وقطع طريق هداية البشر، فلا بدّ أن يستأصل ويُزال, وهذه هي فلسفة الجهاد في الإسلام, فنور الله لا يمكن إطفاؤه ﴿وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: 32]
إساءة السوء أكبر من إرادة إطفاء نور الله :
﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُون﴾ [الروم: 10] هذه الآية تلتها السيدة زينب عليها السلام في مجلس يزيد, وهي تشير إلى محاربة لله ورسوله بنوع حرب أشدّ من إرادة إطفاء نور الله, لأنهم يسيؤون السوء.
بيان :
تارة يكون الفعل سيّئا والفاعل سيئا، ولكنّه يلبس فعله لبوس الاقتداء بسيرة رسول الله نفاقا، وتارة لا يحاول المسيء تغليف فعله السيء لإخفاء قبحه، بل يظهره في أسوأ صورة, فهو يسيء السوء، وهذا ما فعله بنو أميّة، فها هو معاوية يعلنها حربا لذكر رسول الله في الأذان (والله سحقا سحقا والله دفنا دفنا) (1) ، وابنه من بعده يعيد: لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل (2)
ثم يدخل في معركة لا يترك فيها سيّئاً إلا أتى به، على أسوأ نحو ممكن، فالذي يصل لهذه المرحلة هو لا يكتفي بارتكاب السوء، بل هو كما تصف زينب (ع) بقوله تعالى ﴿أَسَاؤُوا السُّوأَى﴾.
وفي الآية نكتة لطيفة فـ أساؤوا السوأى ليست شيئان بل هي شيء واحد معناه سوء على سوء، ولو ترك الأمر لهؤلاء لأوصلوا الأمّة لمرحلة يمقتها الله مقتاً شديداً.
إن قلب منطق إطفاء نور الله، إلى منطق محبّة الله سبحانه وتعالى، لا يكون إلا على يد من يستطيع أن يوجد ثلّة قد حفظت عهودها ومواثيقها ليجدّد بها الولاء والبيعة للتوحيد والرسالة, ليرجع كلّ هذه القلوب عليه أولاً أن يوصل تمسّك مجموعة معيّنة بدينها ومعتقدها، إلى حدّ أنّها تدافع عنه ولو أدى ذلك للقتال، وبيد هؤلاء الذين يحبّهم الله يمكن إعادة منطق المحبّة.
الجهاد في القرآن :
عندما يتكلم القرآن عن مسألة الجهاد فهو مرّة يتكلم عنه كأمر من عند الله سبحانه، ومرّة ويتكلم عنه كفعل من الناس, وبينهما اختلاف كبير، فعندما يتكلّم القرآن عن الجهاد من جهة كونه انقياد الناس له يقول ﴿لا يستئذنك الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 44] فيقدّم التضحية بالمال على التضحية بالنفس, لكن عندما يتكلم عن الجهاد بمنطق الله فهو يقدم النفس على المال ﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ [التوبة: 111]
إن منطق البشر في التضحية يختلف عن منطق الله, فالبشر يبدأون المرحلة الأولى من الجهاد بالتضحية بالمال، ولا شكّ أنّه أمر طبيعيّ، فالناس متعلقون بالدنيا، ولا يبذلون النفس إلا في حال الاضطرار.
لكن الله سبحانه ولأنّ منطقه مع الناس هو منطق الحب فهو يريد أن يكوّن علاقة محبّة، ولكي يكوّن معك علاقة محبّة فهو يطلب (نفسك) أولا لا أموالك، والسرّ في ذلك أنّ الله يحبّ من الإنسان أثمن ما فيه، ويشتري أحسن سلعة عنده, لا يريد الله من الإنسان أمواله ولا إيثاره، بل يريد نفس الإنسان، لأنها أثمن شيء فيه, وهي ما يحبّه الله ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ..﴾ ما يحبّه الله هو نفس هذا الإنسان الباذل، لا ماله أو تضحيته أو ... نعم الجهاد بالأموال والإيثار والتضحية والإحساس والشعور هذه كمالات تترشّح عن نفس يحبّها الله فيطلبها ويشتريها.
﴿.. صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾
التعبير بالصفّ فيه من اللطافه والعمق الكثير, فهو يعطي منهجا للحياة الاجتماعيّة السليمة، التي تمتدّ من الدنيا للآخرة، فهذا العقد وهذا الإجتماع (الصفّ) يبدأ من عالم قبل عالم الدنيا ولا ينتهي أبدا.
فـ (صفّا) تعني متّحدين متماسكين ثابتين متراصّين، كأنّهم بنيان مرصوص, أي لا يوجد به خلل ولا فجوات.
وهذا يحتاج إلى بيان:
تتعدّد أسباب اجتماع الناس واتّحادهم على شيء معيّن، فتارة يجتمع الناس لاشتراكهم في صنعة معيّنة، أو لانتمائهم لعشيرة معيّنة, والوطن والبيئة و.. كلّها عوامل تكون سببا للاجتماع، وهي نفسها تكون سببا للاختلاف أيضا، ولأنّ هذه الأسباب وليدة عالم الدنيا فهي تنتهي بنهاية هذا العالم، فإذا جاء يوم القيامة انقطعت العلائق لانقطاع المصالح ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ﴾ [المؤمنون: 101] الكلّ يأتي منفرداً يوم القيامة ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾[مريم: 93-95]
ولكن هناك أسباب خاصّة للاجتماع غير متولّدة في هذه الدنيا, نوع ارتباط ليس من شؤون الدنيا، هو اجتماع ميثاق واحد لا ينفكّ أبداً، يقول رسول الله "ص" (كلّ سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي) ذلك السبب المتولّد من العقيدة لا يمكن أن ينقطع أبدا, العلاقات القائمة على العهد والميثاق مع الله سبحانه لا تحلّ ولا تنفكّ عراها يوم القيامة, بل تمتد لما بعد الموت, بل تشتدّ وتصفو عن الشوائب.
هذا العهد والميثاق باق مع الإنسان في كلّ عوالمه, ويعينه على تخطّي كلّ العقبات في العالم الآخر, ولا يسلمه –كغيره- ليسقط في المهاوي والهلكات كمن لا وفاء له بالعهد والميثاق, وقد ضجت الروايات بذلك, فضلا عن الأدلّة العقليّة التي تدعم هذا المعنى, كلّ ذلك لأنّ الله يفي لمن وفى ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: 40].
لماذا بنيان مرصوص؟
تختصر الزهراء عليها السلام ما قلناه وما نريد قوله في ثلاث عبارات في خطبتها الفدكية(.. والعدل تنسيقا للقلوب، وطاعتنا نظاما للملّة، وإمامتنا أمانا من الفرقة)
إن الذي يوحّد الناس هو اجتماع قلوبهم, إنّ ما يجعل جماعة كالبنيان المرصوص هو انسجام الأرواح وتماسكها, وعلى العكس من ذلك ما عبّر عنه القرآن ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُون﴾ [الحشر: 14] , واتّفاق العقلاء على قبح الظلم وجمال العدل لا يكفي لتحقيقه، فالعدالة لا تتحقّق إلا بوجود شخص (ينظم الملّة), فنظرية العدالة التي يقدّمها القرآن لا بدّ لها من منفّذ وهو الإمام المعصوم الذي ينسّق القلوب، ويجعل البناء الاجتماعي بنيانا مرصوصا، حين يسبك الأرواح على حبّه وولائه وعشقه.
هنا سيكون الأصل في هذا المجتمع هو التسابق نحو رضا الإمام عليه السلام, ويكون المأموم الصادق هو من يسعى في رضا إمامه، هذه الحالة من الذوبان في الإمام تذيب كلّ خلل وتغلق كلّ فجوة، فيصبح المجتمعون حول إمامهم المؤدون لميثاقهم (صفا كأنهم بنيان مرصوص) هذا صفّ لا يمكن أن يشكّله إلا من ملك القلوب وهم محمّد وآل محمّد صلوات الله عليهم.
محمّد صلّى الله عليه وآله حبيب الله, وحبيب الله هو العارف بلغة القلوب, ووارث محمّد حبيب الله يستطيع صفّ جيشه وسبكه ليكون بنيانا مرصوصا، بمحبته ولطفه ورعايته (السلام عليك يا وارث محمد حبيب الله) زيارة وراث.
............................
منقول / العالمة أم عباس النمر اليوم الخامس لمحرم الحرام لعام 1434
يهدى ثواب النقل الى روح الأخت الفقيدة الراحلة صفاء نور الزهراء
والله أعلم ..
وفقكم الله لكل خير ببركة وسداد أهل البيت عليهم السلام
( يا علي يا علي يا علي (17))